أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

101

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

يريد : يتبعها فاجتزأ بالفتحة عن الألف ، كما اجتزأ الآخر عنها في قوله : وأنشد ابن الأعرابي على ذلك : 2686 - فلست بمدرك ما فات منّي * بلهف ، ولا بليت ، ولا لو انّي « 1 » يريد : يا لهفا . فحذف ، وهذا يخصه بعضهم بالضرورة ويمنع في السعة « يا غلام » في « يا غلاما » . قلت : وسيأتي في نحو « يا أبت » بالفتح ، هل ثم ألف محذوفة أم لا ، وتقدم لنا خلاف في نحو : « يا ابن أمّ ويا ابن عمّ » هل ثم ألف محذوفة مجتزئا عنها بالفتحة أم لا ، فهذا أيضا كذلك ، ولكن الظاهر عدم اقتياسه ، وقد خطّأ النحاس أبا حاتم في حذف هذه الألف ، وفيه نظر . قوله : وَكانَ فِي مَعْزِلٍ جملة في موضع نصب على الحال ، وصاحبها هو : « ابْنَهُ » والحال تأتي من المنادى ، لأنه مفعول به ، و « المعزل » بكسر الزاي اسم مكان العزلة ، وكذلك اسم الزمان أيضا ، وبالفتح هو المصدر . قال أبو البقاء : « ولم أعلم أحدا قرأ بالفتح » . قلت : لأن المصدر ليس حاويا له ولا طرفه ، فكيف يقرأ به الإعجاز ؟ بعيد . وقرأ البزي وقالون وخلّاد بإظهار « باء » اركب قبل ميم « مَعَنا » والباقون بالإدغام ، وقرأ عاصم هنا « يا بنيّ » بفتح الباء ، وأما في غير هذه السورة فإن حفصا عنه فعل ذلك . والباقون بكسر الياء في جميع القرآن إلّا ابن كثير ، فإنه في الأول من لقمان وهو قوله : يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ، فإنه سكنه وصلا ووقفا . وفي الثاني : كغيره ، أعني : أنه يكسرها ياءه ، وحفص على أصله من فتحه ، وفي الثالث : وهو قوله : يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ « 2 » ، اختلف عنه ، فروى عنه البزي كحفص وروى عنه قنبل السكون ، كالأول هذا ضبط القراءة ، وأما تخريجها فمن فتح فقيل : أصلها « يا بنيا » بالألف ، فحذفت الألف تخفيفا اجتزاء عنها بالفتحة . وقد تقدم من ذلك أمثلة كثيرة . وقيل : بل حذفت لإلتقاء الساكنين ، لأنها وقع بعدها « راء » اركب ، وهذا تعليل فاسد جدا ، بدليل سقوطها في سورة لقمان في ثلاثة مواضع : حيث لا ساكنان ، وكان هذا المعلل لم يعلم بقراءة عاصم في غير هذه السورة ، ولا بقراءة البزي الآخر من لقمان . وقد نقل ذلك أبو البقاء ولم ينكره ، وكذلك الزمخشري أيضا . وأما من كسر فحذفت الباء أيضا ، إما تخفيفا وهو الصحيح ، وإما لإلتقاء الساكنين ، وقد تقدم فساده ، وأما من سكّن فلما رأى الثقل مع مطلق الحركة ، ولا شك أن السكون من أخف الحركات ، ولا يقال : فلم وافق ابن كثير عن حفص ( في ثاني لقمان ) ووافق حفصا في الأخيرة في رواية البزي عنه ، وسكن الأول ، لأن ذلك جمع بين اللغات ، والمفرق آت بمحال ، وأصل هذه اللفظة : بنييي بثلاث ياءات ، الأولى للتصغير ، والثانية : ياء الكلمة . وهل هي « ياء » بطريق الأصالة أو مبدلة من واو خلاف تقدم تحقيق أهل اللغة ، في لام « ابن » ما هي ، والثالثة ياء المتكلم مضاف إليها ، وهي التي طرأ عليها القلب ألفا ثم الحذف أو الحذف وهي ياء بحالها . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 43 إلى 44 ] قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ( 43 ) وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 44 ) قوله : لا عاصِمَ الْيَوْمَ فيه أقوال : أحدها : أنه استثناء منقطع ، وذلك أن يجعل عاصما على حقيقته ، و مَنْ رَحِمَ هو المعصوم . وفي

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة لقمان ، آية : ( 17 ) .